سيد محمد طنطاوي

16

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من حسراتهم في هذا اليوم فقال : * ( وقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ، ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ . . ) * . أي : وقال الكافرون بربهم - على سبيل الحسرة والندامة - لو كنا في الدنيا نسمع ما يقال لنا على لسان رسولنا ، سماع طاعة وتفكر واستجابة ، أو نعقل ما يوجه إلينا من هدايات وإرشادات . . لو كنا كذلك ، ما صرنا في هذا اليوم من جملة أصحاب النار المسعرة ، الذين هم خالدون فيها أبدا . وقدم - سبحانه - السماع على التعقل ، مراعاة للترتيب الطبيعي ، لأن السماع يكون أولا ، ثم يعقبه التعقل والتدبر لما يسمع . والفاء الأولى في قوله - تعالى - : * ( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ ) * للإفصاح ، والثانية للسببية ، والسّحق : البعد ، يقال : سحق - ككرم وعلم - سحقا ، أي : بعد بعدا ، وفلان أسحقه اللَّه ، أي : أبعده عن رحمته ، وهو مصدر ناب عن فعله في الدعاء ، ونصبه على أنه مفعول به لفعل مقدر ، أي : ألزمهم اللَّه سحقا ، أو منصوب على المصدرية ، أي : فسحقهم اللَّه سحقا . أي : إذا كان الأمر كما أخبروا عن أنفسهم ، فقد أقروا واعترفوا بذنوبهم ، وأن اللَّه - تعالى - ما ظلمهم ، وأن ندمهم لن ينفعهم في هذا اليوم . . بل هم جديرون بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة اللَّه - تعالى - وبخلودهم في نار السعير . واللام في قوله * ( لأَصْحابِ ) * للتبيين ، كما في قولهم : سقيا لك . فالآية الكريمة توضح أن ما أصابهم من عذاب كان بسبب إقرارهم بكفرهم ، وإصرارهم عليه حتى الممات ، وفي الحديث الشريف : « لن يدخل أحد النار ، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة » . وفي حديث آخر : « لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم » « 1 » . وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، أخذت السورة في بيان حسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين ، وفي لفت أنظار الناس إلى نعم اللَّه - تعالى - عليهم ، لكي يشكروه ويخلصوا له العبادة . . قال - تعالى : [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 12 إلى 18 ] إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِه إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه وإِلَيْه النُّشُورُ ( 15 ) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 205 .